الشنقيطي

300

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال ابن جرير : حفيظا لكم سواي . وقال أبو الفرج بن الجوزي : قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه بشؤون عباده . لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل اه ؛ قاله أبو حيان في البحر . وقال القرطبي : وَكِيلًا أي شريكا ؛ عن مجاهد . وقيل : كفيلا بأمورهم ؛ حكاه الفرّاء . وقيل : ربّا يتوكّلون عليه في أمورهم ؛ قاله الكلبيّ . وقال الفرّاء : كافيا اه والمعاني متقاربة ، ومرجعها إلى شيء واحد ، وهو أنّ الوكيل : من يتوكّل عليه ؛ فتفوّض الأمور إليه ، ليأتي بالخير ، ويدفع الشرّ . وهذا لا يصحّ إلا للّه وحده جلّ وعلا . ولهذا حذّر من اتّخاذ وكيل دونه ؛ لأنّه لا نافع ولا ضارّ ، ولا كافي إلا هو وحده جلّ وعلا . . عليه توكّلنا ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . قوله تعالى : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ( 3 ) [ 3 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة من حملهم مع نوح ؛ تنبيها على النّعمة الّتي نجّاهم بها من الغرق ؛ ليكون في ذلك تهييج لذرّيّاتهم على طاعة اللّه . أي يا ذرّيّة من حملنا مع نوح ، فنجيّناهم من الغرق ، تشبّهوا بأبيكم ، فاشكروا نعمنا . وأشار إلى هذا المعنى في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [ مريم : 58 ] الآية . وبيّن في مواضع أخر الّذين حملهم مع نوح من هم ؟ وبين الشيء الّذي حملهم فيه ، وبيّن من بقي له نسل ، وعقب منهم ، ومن انقطع ولم يبق له نسل ولا عقب . فبيّن أنّ الّذين حملهم مع نوح : هم أهله ومن آمن معه من قومه في قوله : قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ [ هود : 40 ] . وبيّن أن الّذين آمنوا من قوله قليل بقوله : وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ . وبيّن أنّ ممّن سبق عليه القول من أهله بالشّقاء امرأته وابنه . قال في امرأته : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ إلى قوله ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [ التحريم : 10 ] . وقال في ابنه : وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) [ هود : 43 ] ، وقال فيه أيضا : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] الآية . وقوله : لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الموعود بنجاتهم في قوله : فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [ المؤمنون : 27 ] الآية ، ونحوها من الآيات . وبيّن أنّ الّذي حملهم فيه هو السّفينة في قوله : قُلْنَا احْمِلْ فِيها [ هود : 40 ] الآية ؛ أي السّفينة ، وقوله : فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الآية ؛ أي أدخل فيها - أي السفينة - مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ .